ابن عجيبة
226
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قيل : هو الشرك . فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ، أي : كبوا فيها على وجوههم منكوسين . ويقال لهم : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا من الشرك والمعاصي . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : من أراد أن يكون ممن استثنى اللّه من الفزع والهول ، فليكن قلبه معمورا باللّه ، ليس فيه غير مولاه ، ولا مقصود له في الدارين إلا اللّه ، وظاهره معمورا بطاعة اللّه ، متمسكا بسنة رسول اللّه ، هواه تابع لما جاء به من عند اللّه ، لا شهوة له إلا ما يقضى عليه مولاه ، فبهذا ينخرط في سلك أولياء اللّه ، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين سبقت لهم الحسنى ، لا يحزنهم الفزع الأكبر ، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون . جعلنا اللّه من خواصهم ، بمنّه وكرمه ، آمين . وقوله تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً . . . الآية . كذلك قلوب الراسخين في العلم باللّه ، لا تؤثر فيهم هواجم الأحوال والواردات الإلهية ، بل تهزهم في الباطن ، وظواهرهم ساكنة ، كالجبال الراسية ، قيل للجنيد : قد كنت تتواجد عند السماع ، والآن لا يتحرك فيك شئ ؟ فتلى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ . وقوله تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي : بالخصلة الحسنة ، وهي المعرفة فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وهو دوام النظرة والحبرة ، في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ هي الجهل باللّه ، فينكس وجهه عن مواجهة المقربين . والعياذ باللّه . ولما بلّغ الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما أمره اللّه من بيان عواقب الأمور ، تبرأ منهم ، فقال : [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 91 إلى 93 ] إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 91 ) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 92 ) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 93 ) يقول الحق جل جلاله : قل لكفار قريش ، بعد تبيين أحوال المبعث ، وشرح أحوال القيامة ، بما لا مزيد عليه : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي : مكة ، أي : إنما أمرني ربى أن أعبده ، واستغرق أوقاتي في مراقبته ومشاهدته ، غير مبال بكم ، ضللتم أم رشدتم ، وما علىّ إلا البلاغ ، وقد بلغتكم وأنذرتكم . وتخصيص مكة